لدي هذه النظرية المتعلقة بالطعام لكنها تنطبق كذلك على البشر.. ما يمنح الطعام نكهته اللذيذة الجيدة ليست طريقة إعداده بقدر ما هي جودة المصدر الرئيسي للطعام. و أنا أحب تذوق النكهة الأصلية للمكوّن الغذائي.. أحب تذوّق الأعشاب العطرية المُنكِّهة وتذوق المحصول الزراعي مثلًا. قطعة اللحم أو السمك بالنسبة لي تكون في ألذّ حالاتها إذا كنت قادرة على تذوق طعم اللحم نفسه الآتِ من مصدر جيّد، عادةً من حيوان معلوف بالعشب، أو سمكة جيدة.. الخضروات تكون في ألذ حالاتها إذا كنت قادرةً على تذوق طعمها الأصلي بإضافة منكّهات بسيطة غرضها نقل النكهة لمستوى أعلى لا طمس النكهة البكر. لاحظت - وهذه ملاحظة شخصية تحتمل الخطأ - أن المطابخ الأصلية حول العالم كانت تدور حول الطعم البِكر لمنتجات الأرض.. المطبخ الإيطالي و الفلسطيني كمثال، بينما المطابخ الحديثة - الأمريكي مثلا - لا تعتمد فقط على التعقيد بل على طبقات مرتبكة من النكهات المُضافة حد طمس الطعم الأصلي. في نفس السياق لا تستهويني كثيرًا إضافات الجبن المبالغ فيها خاصةً الجبن الذي لا طعم له كالموتزاريللا - يُستثنى بالنسبة لي الجبن الذي له طعم إضافي كالبارميزان. يعني ثلاث أرباع الأطباق التي تذوقتها في المطاعم تكون غارقة لسبب ما في طبقات مطاطة من الموتزاريللا وهذا أفسد عليّ طعمها، مثلما فَعَلَت إضافات البهارات المتعارضة مع بعضها.. فتشعر حين تذوق الطعام بالارتباك. طريقة الإعداد كذلك مهمة في تشكيل المنتج النهائي للنكهة. و أنا ميّالة للبطء في الطهي كفكرة، حتى و إن كنت غير قادرة عليه أغلب الوقت لظروف الانشغال والعَجَلة.. لكنني مقتنعة أن الطماطم المعجونة باليد طعمها مختلف وألذ عن المعجونة في مُحَضِّر الطعام.. الثوم المهروس يدويًا مختلف عن المهروس بشكل آلي.. والوجبة المطهوّة على مهل ألذ من المطهوّة في عجالة و لو بنفس المكونات و درجة النضج.. بل يصل بي التطرف إلى اعتبار أن الأفران ومَواقد الغاز لا تُعامل الطعام بإنصاف مثلما تفعل المواقد الطينية التي كانت تُستعمل قديمًا و لا تزال موجودة في الريف حول العالم. أجود ما يمكنني تقديمه من وجبة في تصوري - وتقديم الطعام هو فعل محبة محض - هي وجبة منتقاة المكونات بعناية ومطهوّة بالكثير من الصبر والأناة. هذه نظريتي التي تنطبق على البشر بشكلٍ ما.. بفارق التشبيه طبعًا.. البشر لا يحتاجون فقط إلى معدن جيد كي يكونوا أفضل نسخة إنسانية ممكنة من معنى وجودهم.. في تصوري أن هذا الصبر على التشكُّل وهذا الحِلم في الانتظار عامل أساسي.. البطء هو الفضيلة المنسية.. في كل شيء.. حتى في التعلّم والنضج. لم أكن أود استعجال نفسي.. ف جاءت خطواتي هادئة ومتأخرة، لكن متماسكة وطعمها ألذ على لساني. وأعتقد أنني مدينة للمحاولات وللصبر. وهذا ما أحب منحه للبشر.. أحب لهم أن يعتنقوا معناهم ومعدنهم المتفرد.. وروحهم التي لن تشبه سواها بغير حاجة لإضافات مُربكة وماسخة، ثم أحب لهم أن يحاولوا بينما يعرفون أن بوسعهم التأني.. وأن الدَّأب هو الصانع الأفضل للمهارة.. أي مهارة.. و أن أجود الصفات الإنسانية تشكّلت بالتكرار و الصبر. العلم بالتعلّم و الحلم بالتَّحَلُّم. وإني وإن كنت أود أن أنتظر الناس بينما يخطون خطواتهم الأولى الممهدة لنتيجة مرجوّة.. إلا أنه أولى بالإنسان أن ينتظر نفسه ولا يَعجل عليها.. ما طُهي على مهل كان ألذّ.. و طالما أن الله ناظرٌ لجميع السعي نظرًا محمودًا.. ف اِنتظِرْ.. اِصبِرْ.. اِلْتَذّ!

جميل😍
ردحذف